بن عيسى باطاهر

34

المقابلة في القرآن الكريم

إن الوحدانية في القرآن الكريم هي تعريف البشر بإلههم الحق تعريفا عميقا موحيا يشبع العقل والقلب ، فهي حقيقة قائمة على أساس من الحجج الواضحة ، والبراهين القاطعة التي يتجلّى فيها الحض على التفكير والتدبّر ، والدعوة إلى النظر والتأمل في ملكوت السماوات والأرض من أجل الاستدلال على ربوبية اللّه وتأكيد وحدانيته « 1 » . واللافت للنظر في عرض القرآن لهذه القضية مسألتان : أولهما : إن القرآن الكريم لا يهتم بقضية وجود اللّه ، ولا يجعلها محل نزاع وجدل مع المنكرين والمخالفين ، وذلك راجع إلى أن المخاطبين لا ينكرون أصلا وجود اللّه ، وأن وجود اللّه مسألة مغروسة في النفس البشرية « فالواقع أنه حتى العرب المشركين كانوا يعترفون بوجود إله عظيم ، خالق للكون ، ومدبّر لشئونه ، ولا يرجع هذا الاعتراف فقط إلى بعض الآثار المحفوظة عندهم من ديانة إبراهيم وإسماعيل ، وإنما توجد نواته في أعماق النفس البشرية ، ولكن هذا التوحيد الأولي ، أو هذه الديانة الفطرية كما يسميها القرآن لم تكن إلا فكرة محجوبة ومغمورة في الواقع تحت معتقدات وعبادات كانت تؤدي إلى عدد لا يحصى من الآلهة » « 2 » . يقول سيد قطب : « لن نعجب إذا رأينا القرآن الكريم لم يكن يقف أمام قضية الاعتقاد بوجود اللّه بينما الحديث كلّه عن توحيد اللّه سبحانه ، والتعريف بصفاته الحقّة ، ذلك أن قضية وجود اللّه لم تكن قضية جدلية من قضايا العقيدة ، فالفطرة حتى في انحرافها وجاهليتها لا تكاد تلم بهذا الخاطر العارض الشاذ الذي انتهى إليه بعض الشاردين من الكنيسة في أوروبا « 3 » .

--> ( 1 ) صلاح الدين رسلان - القرآن الحكيم رؤية منهجية جديدة - ط مكتبة نهضة الشرق : القاهرة 1985 - ص 40 . ( 2 ) محمد عبد اللّه دراز - مدخل إلى القرآن الكريم - ط دار القلم : الكويت ص 74 ، 75 . ( 3 ) مقومات التصور الإسلامي - ص 109 .